الازدحام السكاني يهاجم غزة .. والانفجار بحلول 2020 !؟



شَكلتْ أزمة الإسكان في قطاع غزة تحَدِيًا كبيرًا واجه السلطة الوطنية الفلسطينية منذ عودتها إلى الأراضي الفلسطينية في أعقاب اتفاقات السلام وتطبيق الحكم الذاتي في بعض مناطق الضفة الغربية وغزة، مما جعلها تُحاول جاهدة في إيجاد حلولًا لها تمثلت بدايًة في توفير العديد من الوحدات السكنية عبر إنشاء المُدن السكنية الجديدة كـ: مدينة العودة والندى في شمال قطاع غزة ومدينة الزهراء في وسط القطاع ومدينة أبراج تل الهوى في مدينة غزة إلا أنها لم تستطع حلها وباتت تُنذر بانفجارٍ سُكاني يواجه ضعف الإمكانات وندرة الموارد.

ويُشير خبراء إلى أن الأزمة الزيادة المضطردة للسكان ستتفاقم بحلول عام 2020 متوقعين أن تصل الزيادة إلى حوالي نصف مليون فرد إضافي للموجودين والبالغ عددهم مليون و700 ألف مواطن يقطنون في بقعة لا تتجاوز 365كم مربع، داعين إلى ضرورة تحمل الحكومة الفلسطينية مسئولياتها في إيجاد خططًا إستراتيجية لتوفير المسكن والطعام والتعليم والصحة والتوظيف لهؤلاء على مدار السنوات القادمة بما يُحقق التوازن بين النمو السكاني والنمو الاقتصادي.

“الاقتصادية” رصدت تفاصيل أزمة الإسكان في قطاع غزة ووقفت مع المسئولون على أسبابها وتداعياتها ونسبة العجز في الأراضي والشقق السكنية واطلعت على أراء الخبراء في إيجاد حلول ممكنة تُسهم في تخفيف وطأتها.

عجز في الشقق السكنية
يُقر وكيل مساعد وزارة الأشغال العامة والإسكان، م. ناجي سرحان أن مساحة قطاع غزة الضيقة والمقدرة بما لا يزيد عن 365كم مربع في ظل تزايد أعداد السكان عامًا بعد عام حتى وصلت في عام 2011 إلى حوالي مليون و700 ألف مواطن أحدث عجزًا لدى الوزارة في إمكانية توفير الوحدات السكنية لمعادلة الفجوة في النمو السكاني، وقال في تصريحات خاصة بـ”الاقتصادية” :”نُعاني عجز في الوحدات السكنية بما يُقارب 60.000 وحدة سكنية” وأضاف أن الزيادة السنوية لاحتياجات القطاع من المسكن تصل إلى 14.000 وحدة سكنية سنويًا.

من ناحية أخرى أشار سرحان إلى أن حالة العجز وضعت وزارته والجهات المعنية في حالة تحدٍّ كبيرة بدءوا التغلب عليها من خلال إنجاز مخططات لحوالي 13 مشروع إسكان على مستوى قطاع غزة بالإضافة إلى إيجاد التمويل لعدد من مشاريع مدن الإسكان الجديدة مثل: مدينة الشيخ حمد بن خليفة والممولة من المنح القطرية، والبالغة مساحتها 400 دونمًا، في أراضي المحررات شمال شرق مدينة أصداء الإعلامية جنوب القطاع، بقيمة400 مليون دولار، لافتًا إلى أنها تُوفر ما يقارب من 3000 وحدة سكنية، ناهيك عن وحدات سكنية متفرقة تصل إلى 600 وحدة سكنية في مدينة الشيخ خليفة بن زايد السكنية والتي تتسع إلى 750 وحدة سكنية، قائلًا:”نأمل أن تكون جزء من المعالجة”.

عقبات
ولأن نسبة الأراضي المخصصة للإسكان في قطاع غزة قليلة جدًا فقد عمدت الوزارة – بحسب سرحان- إلى استغلال جزء من أراضي المحررات لإقامة المشاريع الإسكانية مؤكدًا أنها تعتمد على نظام البناء الرأسي بما يُحقق استغلالًا أمثل للأرض وإيجاد أكبر قدر من الوحدات السكانية لتتناسب مع الزيادة المضطردة للسكان عامًا بعد عام.
ويحتاج قطاع غزة إلى 120 ألف وحدة سكنية بحلول عام 2020 بواقع 14.000 وحدة سنويًا إلا أن مشكلات عديدة تقف حائلًا أمام توفيرها.

يؤكد سرحان أن قوة العجز في العام 2020 ستكون مضاعفة وتداعيات التزايد السكاني ستنعكس سلبًا على وفرة الموارد وحصول المواطنين على الخدمات العامة بدايًة في الصحة والتعليم والمياه والكهرباء وفرص العمل، وبمزيد من التفاؤل أشار أن الحل الأمثل للخروج من الأزمات المترقبة عام 2020 هو العودة إلى الديار الفلسطينية بعد تحريرها من الاحتلال، ودعا العالمين العربي والإسلامي إلى الوقوف عند مسئولياته في دعم قضية التحرر الوطني وصولًا إلى تنفيذها واقعًا، قائلًا :”عندها ستُحل كافة مشاكل القطاع في الإسكان والماء والكهرباء والصحة وغيرها”.

ولحين تحقيق ذلك طالب سرحان بتذليل العقبات الحالية أمام إنجاز المشاريع الإسكانية ومنها فتح المعابر بشكل حر ودائم ليتمكن الفلسطينيون في قطاع غزة من إدخال مواد البناء ومستلزمات الإعمار لإنهاء المشاريع الإسكانية والتخفيف من أزمة السكن، ونوه إلى ضرورة حل مشكلة التمويل للبدء بتنفيذ المشاريع الإسكانية الكبرى قائلًا :”نأمل أن يغيثونا إخواننا في الدول العربية لإنهاء مشكلة الإسكان في قطاع غزة”.

الأراضي الحكومية حل مؤقت
وعمدت سلطة الأراضي في قطاع غزة إلى تخصيص 1500 دونمًا من الأراضي الحكومية لإقامة مدن سكنية أملًا في التخفيف من وطأة أزمة المساكن في قطاع غزة والتي كانت نتيجة تزايد عدد السكان بالإضافة إلى الحروب وما أثمرته من تدمير البنية التحتية وهدم ما يزيد عن 3500 وحدة سكنية.
يقول مدير عام الأملاك الحكومي بسلطة الأراضي م. عمر زايدة:”أنهم افتتحوا حوالي 3 مناطق كبيرة تتعدى كل منطقة مساحة 700 دونمًا لإقامة مشاريع إسكانية” وبيَّن أن إحدى المنطقتين كانت في الجنوب والأخرى في الشمال ناهيك عن افتتاح بعض المشاريع الأصغر حجمًا والتي تتراوح مساحة أراضيها من 80 -100 دونمًا.

توزيع عشوائي
وتقف مشكلة التوزيع العشوائي للأراضي الحكومية عائقًا أمام استغلالها بالشكل الأمثل للتخفيف من المشاكل التي يُعانيها قطاع غزة سواء على صعيد الإسكان أو شق الطرق أو إقامة الأبراج السكنية، مؤكدًا أنه لا يمكن بناء المساكن أينما شاء السكان والسبب تركز الأراضي الحكومية “المحررات” في منطقتي الشمال والجنوب بعدما أُخلي الاحتلال الإسرائيلي منها في أغسطس عام 2005.
ونبه زايدة إلى ضرورة إيجاد خطة إستراتيجية متكاملة بين البلديات بما تحمله من مخططات هيكلية وتنظيمية وبين وزارة الإسكان بما تحمله من مخططات بناء، وبين سلطة الأراضي بما يتوفر لها من أراضي لإحقاق حاجة السكان من السكن، وأضاف أنه ليس من العدل أن تُستغل الأراضي الحكومية فقط للإسكان في ظل الحاجة إلى تنمية الاقتصاد الفلسطيني في كافة المجالات كالزراعة والصناعة، وقال:” أنه من المفترض أن تكون أرض المحررات للزراعة إلا أنهم يعمدون إلى إدارتها بما يُحقق احتياجات السكان”.

تعاون مشترك
وفي إطار الحلول الممكنة لمواجهة الأزمة أشار زايدة إلى ضرورة أن يكون التعامل مع الإسكان وفق خطط التوسع الرأسي لا الأفقي لأن الأخير – وفق تعبيره- سيواجه محدودية الأرض وسيكون على حساب الأراضي الزراعية، وشدد على ضرورة أن يكون التوسع وفق المخططات الموجودة في البلديات دون التعدي عليها أو التغول على الأراضي الزراعية وقال :”لتحقيق ذلك نحتاج إلى خطة إستراتيجية متكاملة ترعاها الحكومة وتأخذها على عاتقها تكون بين وزارة الحكم المحلي متمثلة بالبلديات، وسلطة الأراضي، ووزارة الإسكان لتفادي الأزمة والخروج بحلول ممكنة لها”.

الحكومة في المواجهة
على الرغم من الواقع المتشائم الذي تحدث به المسئولون عن نسب العجز في الأراضي والمساكن بقطاع غزة بما يُفاقم الأزمة بحلول 2020 أضاعفًا مضاعفة إلا أن نائب رئيس الوزراء م. زياد الظاظا حمل بعضًا من البُشرى للمواطنين الفلسطينيين، وقال في حديث خاص لـ”الاقتصادية” :”تقرير الأمم المتحدة واقعي ونتائجه كارثية على الحياة الفلسطينية إذا ما استسلم له لكنَّا نخوض معه المواجهة على كافة المستويات”.
وعدد الظاظا عددًا من المشاريع التي استطاعت من خلالها الحكومة تحسين واقع الحياة الفلسطينية رغم ما تُعانيه من حصار وانقسام، مؤكدًا أن الحكومة بدأت مواجهة النتائج الكارثية التي تحدث عنها التقرير بزيادة منظومة الإنتاج عبر رؤية الاقتصاد المقاوم.

ولفت أن الناتج الوطني قفز قفزات متطورة منذ العام 2006 وما بعدها فبعدما كان لا يتجاوز مليار و200 مليون دولار أصبح الآن يتجاوز 2مليار و700 مليون دولار مما يعني تخفيض نسبة البطالة لتصبح الآن قرابة 27% بعدما كانت ترتفع إلى 60% عام 2008، وتابع أن الحكومة عمدت إلى تحقيق إنجازات أخرى على صعيد مشاريع المياه وجلب التمويل الخارجي لبدء مشاريع إعادة الإعمار خطوة في الاتجاه الصحيح، مطالبًا العرب بمزيد من الدعم والخروج من حالة الصمت لأن نتائجها ستكون وخيمة إذا ما استمر الحال على ما هو عليه، وقال:”أن الحكومة الفلسطينية تُشجع على عملية الاستفادة من كل الإمكانات والطاقات المتاحة من خلال تمويل مشاريع تنموية صغيرة بما يُنشط الحياة الاقتصادية، بالإضافة إلى تشجيع الاستثمارات الخارجية بما يُحقق التنمية المستدامة ”

وتُشير الخطط التي تنفذها الحكومة الفلسطينية أن زيادة السكان تُقابلها زيادة في النمو الاقتصادي وزيادة في التقدم والعطاء والتشبث بالأرض الفلسطينية بما يُحقق التوازن وضمان حياة إنسانية كريمة للمواطن الفلسطيني.
عبئ اقتصادي كبير
من وجهة النظر الاقتصادية فإن تزايد نسبة السكان مع مرور الزمن يُشكل عبئًا على الاقتصاد خاصًة إذا ما كانت الموارد الطبيعية في حالة شبه انعدام كما هو الحال في فلسطين نتيجة سيطرة الاحتلال ونهبه لخيراتها أرضًا وشجرًا وحجرًا.
في هذا السياق يؤكد د. مُفيد ظاهر رئيس قسم العلوم المالية بجامعة النجاح الوطنية،على أن النمو السكاني لابد وأن يقابله نمو في الموارد لتحقيق التوازن النسبي وإلا فإن الموارد مع مرور الوقت تُصبح غير كافية، وقال في حديث خاص لـ “الاقتصادية” :”يتوجب أن يرافق النمو السكاني نمو اقتصادي بشكل أكبر فإذا كانت نسبة الزيادة في الأول 7% تكون نسبة الزيادة في الثاني 9- 10%”.

ويُبين د. ظاهر أن المشكلة الأكبر في قطاع غزة تكمن محدودية الأرض وعدم قابليتها للتوسع مما يجعل الزيادة السكانية تنعكس بشكل سلبي على توافر المسكن وسبل المعيشة والخدمات العامة بشكل عام.
ويوافقه الرأي الخبير الاقتصادي د. نصر عبد الكريم ، مؤكدًا أن النمو السكاني في أي بلد يُشكل تحدي اقتصادي كبير، وقال في حديثه لـ “الاقتصادية” :”نمو السكان بنسبة أكبر من النمو في الاقتصاد يخلق فجوة في الموارد والقدرات والفرص”، والسبب وفق تقديره “زيادة الطلب على الخدمات الأساسية من تعليم وصحة ومسكن وعمل ..إلخ مما يجعل نصيب الفرد في هذه الخدمات يتناقص، ويتآكل عامًا بعد عام.
وينفي د. عبد الكريم أن تؤتي الإيجابيات للنمو السكاني ثمارها من تزايد القوى البشرة، وتزايد القوة الاستهلاكية داخل البلد للخدمات والسلع، وقال لنا:”أنها تضغط على الموازنة وتُشكل عبئًا على الموارد والخدمات”.
وتكمن المشكلة التي يُحدثها النمو السكاني في انعدام التخطيط الإستراتيجي المدروس والواعي المتوسط وطويل الأجل لاستيعاب القادمين الجدد لأسواق السلع والعمل والخدمات” وأضاف أن التخطيط من شأنه تحديد الاحتياجات من أجل بذل الجهد لتحقيقها والنمو بها بما يتلاءم مع النمو السكاني المضطرد عامًا بعد عام.

حلول ممكنة
وطالب الحكومة في قطاع غزة بالبحث الحثيث عن طريقة لإيجاد حلول إستراتيجية للمشاكل التي تعصف بالقطاع نتيجة النمو السكاني ومحدودية الموارد الاقتصادية، مؤكدًا أن الحل تحقيق نمو في الاقتصاد الفلسطيني بنسبة تزيد عن النمو السكاني ليتمكن من استيعاب القوى العاملة وبالتالي المساهمة في الحد من نسب البطالة التي يُعانيها الشباب نتيجة تكدس أعدادهم بالتزامن مع انحسار فرص العمل في الشركات والمؤسسات الرسمية والأهلية التي لا تتغير طاقتها الإنتاجية، وأضاف على المسئولين أن يُوجدوا الخطط المناسبة لتوفير فرص عمل للشباب سواء كانوا عمال أو خريجين حملة شهادات الدبلوم أو البكالوريوس أو الدراسات العليا، وحول الآلية التي يمكن من خلالها تحقيق ذلك أشار د. ظاهر إلى ضرورة تبني الحكومة سياسة البناء الاقتصادي من خلال افتتاح المصانع وتشجيع الاستثمار داخل القطاع أو البحث لهم عن فرص عمل في الخارج في دول الخليج ، خاصة في ظل حالة الحصار التي يُعانيها القطاع وانعدام فرص العمل فيه، وعدم قدرة الفلسطينيين في قطاع غزة على العمل في الأراضي المحتلة عام 48 وذلك بأمر عسكري أمني سياسي من الاحتلال الإسرائيلي.
وقال لنا:” على الحكومة أن تتجه أيضًا لتشجيع العرب من أصحاب رءوس الأموال على استثمار أموالهم في القطاع من خلال توفير بيئة استثمارية مناسبة لهم”.
حلًا لا يُناسبنا
فيما كشف د. عبد الكريم أن بعض الدول التي تُعاني ذات المشكلة اتجهت إلى وسيلة تحديد النسل، إلا أنه يُقر بأنه لا يمكن تطبيق ذلك في الوطن الفلسطيني وفقًا لأحكام الشريعة وأعراف المجتمع والحالة السياسية التي تنظر – وفق تعبيره- لزيادة النسل كوسيلة مقاومة للاحتلال الذي يدأب على قتل الفلسطينيين أملًا في سلب أرضهم أبدًا وقال :” الحل المناسب لحل أزمة السكن البناء الرأسي خاصة في قطاع غزة الذي يُعاني من محدودية الأرض وكثافة سكانية عالية” مُعقبًا أنه يبقى حلًا جزئيًا لا يُمكن التعويل كثيرًا عليه فقط يواجه مشكلة السكن ولا ينهي مشاكل الاقتصاد أو تناقص نصيب الفرد من الخدمات وفقًا لحالة تناقص الموارد والفرص.

إذن إن السبيل الأكثر نجاعةً للحد من مشكلة الإسكان في قطاع غزة في ظل ما يُعانيه من فقر في مساحة الأراضي المُخصصة للإسكان والأراضي الحكومية بشكلٍ عام؛ يكمن في التوسع الرأسي وبناء الأبراج العالية المزودة بالخدمات اللازمة للحياة الإنسانية الكريمة، في حين لم يُحبذ أحدًا فكرة الحد من النسل لعلاج الكثافة السكانية المتوقع زيادتها بمعدل نصف مليون شخص بحلول 2020 لاعتبارات دينية وسياسية.

وبحسب إحصائية أصدرتها مؤخرًا وزارة الداخلية في قطاع غزة فإن عدد السكان في غزة بلغ حتى نهاية سبتمبر 2011 حوالي 1.713.505 فردًا بينهم أكثر من 200 ألف مولود جديد رأوا النور خلال الأعوام الأربع الأخيرة.

مشاركة هذا المقال :